السيد كمال الحيدري
129
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
بغضّ النظر عن المستوى العلمي والوضع المدني والحضارى . أجل ، قد لا ينمّى الإنسان هذا النمط من المعرفة أو يلهو عن التفكير في حقيقة نفسه ، بيدَ أنّه مهما اندكّ بهموم الحياة فلا يخلو من ومضات تشعّ على هذا الطريق . لهذا يلمس المتقصّى لأشواط التأريخ الإنسانى أنّ الإنسانية مذ كانت كان طريق معرفة النفس بمجاهدتها وقطعها عمّا يصرفها عن الانشغال ، وستبقى هذه السيرة ماضية أبد الدهر وإلى آخر يوم من حياة الإنسان على الأرض . ولمّا كانت المعرفة النفسية محفوفة بمشاقّ التهذيب والتزكية ، فقد انصرف أكثر الناس عنها على الرغم من الرصيد الثرّ الذي تتمتّع به في ذات كلّ إنسان ، وأضحت خياراً للقلّة . ومع مشروعية الطريقين الآفاقي والأنفسى في معرفة الله سبحانه ، إلّا أنّ من السهل أن نلحظ ترجيح النصوص للمعرفة الأنفسية بوصفها الطريق الأفضل والأكمل المؤدّى إلى الله . فالذي يشتغل على خطّ المعرفة النفسية بحيث تكون نفسه محور همّه ، فإنّ هذا يدفعه دفعاً لإصلاح نفسه بحيث ينشط في تعديل أوصافها وفعالها ، وعندما تكون النفس الإنسانية يقظة نظيفة ، لا غرض للإنسان إلّا الانشغال بها عن غيرها ، فإنّ هذه المعرفة تفضى به للتوجّه إلى ربّه والانقطاع إليه ، فتحصل عنده معرفة دون واسطة ، فيكون وكأنّه عرف الله بالله ، لأنّ النفس آية من آيات الله وأقرب شئ إلى الإنسان ، ومن ثمّ فهي طريق مفتوح إلى الله ، والله سبحانه هو الغاية التي ينتهى إليها الطريق وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى « 1 » . ما يزيد من أهمّية هذا النهج في المعرفة هو تأكيد الهدى الإلهى لأهمّيته والحثّ عليه ، فقد ركّزت عليه الأديان ونبوّات السماء جميعاً . وحسب الطباطبائي : « إنّ الأديان والمذاهب على اختلاف سننها وطرقها لا تروم إلّا الاشتغال بأمر النفس في الجملة » « 2 » ، وقوله : « إنّ الوجهة الأخيرة لجميع
--> ( 1 ) النجم : 42 . ( 2 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 187 .